السيد حسن الحسيني الشيرازي

14

موسوعة الكلمة

الرسالات والنصائح التي بذلت للإنسان ، منذ تفتحت السماء بتوجيه الأرض ، وحتى إكماله برسالة محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فهو ملتقى رائع للحكم البالغة التي قرعت آذان مختلف الأمم وفي شتى العصور ، واستعراض واضح للأشفية السماوية ، التي احتاجت إليها البشرية جيلا بعد جيل . فهو لذلك مجمع الحقائق الثابتة ، ومجلى عناية اللّه بالعباد ، منذ خلقهم ، وإلى اليوم ، وإلى أن تنفضّ هذه الحياة . فآيات اللّه تفسر حقائق الحياة ، بصورة لو كشف عنها الغطاء ، ما زاد عليها ولا نقص منها شيء ، لأنها أدق وأوفى تعبير عن أقصى ما في الحياة من معنى ، وما في طاقة الإنسان من قابلية النبل والسمو . فهي كلمة اللّه التي قالها ، فصار جزء منها هذا الكون ، وصار الجزء الآخر ما بين هاتين الدفتين ، وربما كان الأخير - في الواقع وعند اللّه - خيرا من الكون وما وراء الكون ، من جنة عرضها السماوات والأرض ، وما تحويه وما يحويها ، مما ذرأ وما برأ ، لأن الدنيا لا تساوي - عند اللّه - جناح بعوضة ، والجنة خلقت تقديرا لمن أطاع كلمة اللّه وليست جزاءه ، فهي كوسام يعلقه القائد على صدر جندي باسل ، وأما جزاؤه فرضوان اللّه ، ورضوان اللّه أكبر . وطبيعة المادة مهما تبلورت ، لا تبلغ سمو طبيعة المعنى مهما تشوهت . ولكلمة اللّه المعبرة عن إرادته ، جلال لا يمكن أن يجاريها شيء ثقل في السماوات والأرض . فهي الكلمة التي هبطت من السماء لتوجيه الأرض ، وهل في الأرض شيء أطهر مما ينزل عليها من السماء ؟ إنّ كل ما ينبت من الأرض يحمل عناصر الأرض ، ومهما كلف الاتجاه نحو السماء ، فحنينه الذاتي إلى الأرض ، يقابل قوس الصعود بقوس النزول ، ويعود به إلى الأرض في نهاية المطاف ، وكل ما يهبط من السماء يحمل عناصر السماء ، ومهما تكلف الاتجاه نحو الأرض ، فحنينه